لا تقنطوا من رحمة الله

لا تقنطوا من رحمة الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حديثي اليوم عن المذنبين التائبين عنا جميعاً فكلنا نخطئ ونذنب وليس منا أحد معصوم عن الخطأ فتلك طبيعتنا بشر ضعفاء أمام الفتن والشبهات والشهوات ولكن باب التوبة دائماً مفتوح و رحمة الله وسعت كل شيء ومن يستغفر الله فقد نجا وفاز مهما كان ذنبه

تأملوا معي قوله تعالى في سورة الزمر في الجزء الرابع والعشرين :
((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ))

نعم إخوتي في الله إن الله يغفر الذنوب جميعا فلا تقنطوا أبداً من رحمة الله مهما كانت ذنوبكم وأخطاؤكم ، توبوا إلى الله واستغفروه وسيقبلكم و سيغفر لكم بإذنه إنه رحيم ودود

ولكن التوبة ليست بالكلام فقط بل أنت مطالب بالخطوة الأولى ، عليك أن تستجيب لأوامر ربك وتعود إليه بقلب صادق وعزيمة على عدم العودة إلى الذنب ولهذا تأتي الآية التالية لتكمل المعنى
((وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ** وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ))

فالتوبة ليست مجرد كلام بل هي نية صادقة و إنابة و استسلام كامل لأوامر الله ولو عدت ثانية فعد واعزم على عدم العودة إلى الذنب أما إن كنت تنوي أن تعود للذنب ثانية فتوبتك لن تكون مقبولة ومن هنا ندخل الآن لشروط التوبة وأولها وأهمها الإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة إليه ومن الشروط أيضاً الندم على الذنب و الرغبة الصادقة في التحرر من أسره نعم فالذنب سور مزعج يحيط بالمذنب ويتعبه و يضنيه و يقيده والدليل قوله تعالى في سورة البقرة :
( بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ))

ومن شروط التوبة أيضاً أن تعيد الحقوق لأصحابها قدر المستطاع هذا في حقوق العباد أما ما بينك وبين الله تعالى فيغفره بمجرد توبتك واستغفارك وعزمك على عدم العودة إلى الذنب ثانية
وهنا يسأل أحدنا وماذا إن عزم على عدم العودة بصدق ثم عاد بعد فترة وهنا سيكون الجواب بكل بساطة تب ثانية و جدد التوبة وأكثر من الاستغفار فباب التوبة مفتوح دائماً وتذكر أن الله تعالى الكريم الحليم وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل
وتأمل معي هذا الحديث القدسي الرائع الذي يفتح أمامنا أبواب الأمل والبشرى :

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سمع رسول صلى الله عليه وسلم يقول (( إن عبداً أصاب ذنباً فقال : يارب إني أذنبت ذنباً فاغفره لي . فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له , ثم مكث ماشاء الله , ثم أصاب ذنباً آخر , وربما قال ثم أذنب ذنباً آخر فقال: يارب إني أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي : قال ربه : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له , ثم مكث ماشاء الله , ثم أصاب ذنباً آخر , وربما قال ثم أذنب ذنباً آخر , فقال: يارب إني أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي : قال ربه : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فقال غفرت لعبدي فليعمل مايشاء)) رواه البخاري ومسلم.

لا تستسلم أبداً أخي في الله ومهما كانت ذنوبك ولو عدت إلى الذنب وندمت على ما فعلت فجدد التوبة و ثق برحمة الله وتوكل عليه

وهاهي سورة غافر إحدى أهم السور في جزء اليوم تبدأ بالمغفرة وتعرفك برحمة ربك و مغفرته الواسعة وتجد ذلك حتى من اسم السورة وهو اسم من أسماء الله تعالى غافر الذنب

((حم ** تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ** غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ))

ما أجمل وما أعظم هذين اللفظين العظيمين فالله تعالى غافر الذنب وقابل التوب ولاحظ الرحمة العظيمة بأن المغفرة والتوبة هنا سبقت قوله تعالى شديد العقاب ذي الطول فمن رحمة الله تعالى أن يذكرنا بصفات التوبة والمغفرة قبل صفات القوة والشدة كي نعرف أن أبواب رحمة الله واسعة جداً
وحتى الملائكة يستغفرون للعباد التائبين العائدين إلى الله عز وجل وانظر معي إلى تلك الآية الرائعة في سورة غافر

((الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ **))

يا الله يا لها من رحمة ما بعدها رحمة من الله العلي القدير على عباده حتى ولو أذنبوا

فماذا تنتظر أخي تب إلى الله واستغفر لذنبك و لا تقنط من رحمة الله مهما حدث

ومن وسائل التوبة للذين يعانون من الإصرار على معصية ما ويجدون صعوبة بالغة في إخراجها من قلوبهم الدعاء
نعم الدعاء فالدعاء هو العبادة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ترك الدعاء فهو مستكبر معرض عن عبادة الله والدليل قوله تعالى أيضاً في سورة غافر :
(( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ))

فمن يدعو الله فهو مؤمن بأن كل شيء بيد الله و إليه يرجع الأمر كله وموقن برحمة الله وبقدرته وهذه هي العبادة
وتأمل معي قوله تعالى ادعوني أستجب لكم
إنه عهد ووعد من العلي القدير لعباده بأن يدعوه وهم موقنون بالإجابة فمن شروط الدعاء أن تكون على يقين تام من الإجابة ولا تقل اللهم اغفر لي إن شئت و سامحني إن شئت بل اعزم المسألة وادعو الله خوفاً وطمعاً

اطلب منه الهداية و التوبة والمغفرة اسأله أن يخرج تلك المعصية من قلبك وأن يحررك من أسرها و اسأله توبة نصوحاً لا تعود بعدها أبدا

وفوض أمرك إلى الله وسيحميك وينصرك ويغفر لك وكم أحب تلك الكلمات الرائعة لمؤمن آل فرعون وهو يفوض أمره إلى الله بعد أن عرف الحق وتاب وآمن برسالة سيدنا موسى عليه السلام
(( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ** فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ **))

نعم أيها التائب سيقيك الله السيئات وسيحميك إن لجأت إليه وفوضت كل أمورك إليه

واختر أخي الأوقات المفضلة للدعاء في جوف الليل وأنت ساجد بين يدي ربك و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن العبد أقرب ما يكون إلى الله وهو ساجد

ومن أوقات الإجابة يوم الجمعة ففيه ساعة لا يرد فيها دعاء ومن أوقات الدعاء أيضاً بين الأذان والإقامة ومن أجمل أوقات الإجابة شهر رمضان فللصائم دعوة مستجابة مؤكدة عندما يفطر فدعونا نغتنم هذه الأيام الفضيلة ونكثر الدعاء والاستغفار كي ننال رحمة الله وعفوه

ولو تحدثنا عن فوائد الاستغفار فحدث ولا حرج ويكفي أن أذكركم بآية واحدة في سورة نوح كي تعرفوا كم هي عظيمة ثمرات الاستغفار
(( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ** يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ** وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا **))

فمن كان يريد الرزق فليستغفر الله ومن كان يريد السقيا فليستغفر الله ومن كان يريد الأولاد فليستغفر الله
وكيف لا تستغفر أخي الحبيب وتكثر من الاستغفار ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم المعصوم عن الخطأ وقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومع هذا فقد كان يستغفر الله في اليوم مئة مرة

بالله عليك ما هي ذنوب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر ؟؟؟

ومن أولى بالاستغفار نحن وذنوبنا التي لا تعد ولا تحصى أم سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه خير البشر وخاتم الأنبياء والمرسلين ؟؟

وتأمل قوله تعالى لنبيه وأحب خلقه إليه وفي سورة غافر أيضاً
(( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ **))

فإذا كان الله تعالى يأمر نبيه الكريم النقي المخلص من كل ذنب بالاستغفار وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بنا نحن أخي في الله

وهنا لا بد من التنبيه أن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لرفع الدرجة و زيادة القرب إلى الله وليس من الذنوب التي يرتكبها البشر الضعفاء المقصرون مثلي ومثلك

ويأتي الأمر بالاستغفار ثانية في سورة أخرى ضمن جزء اليوم

وهي سورة فصلت قوله تعالى لنبيه الكريم :
(( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ **))

فعد إلى الله أخي الحبيب ولا تقل لي بأنك ليس عندك ذنوب وأخطاء فكلنا نخطئ وكلنا مقصرون وأنا أولكم فلنجدد التوبة ولنكثر من الدعاء والاستغفار وطلب الرحمة والثبات وإياكم أن تقنطوا من رحمة الله فالله يغفر الذنوب جميعاً
وأختم بحديث رائع عن رحمة الله ومغفرته التي لا يمكن وصفها
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله-تعالى-: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، ياابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة رواهالترمذي،
 

SemSemaaaa

.:. مشرفة سابقة .:.
بجد ى اميره توبيك جميل جدا جدا جدا غايه ف الروعه والله ابكتينى احاديث جميله جدا وايات جميله جدا تذكرنا بمدى رحمه الخالق الله عزوجل وادعوا الله لكى ولى ولامه محمد عليه افضل الصلاه والسلام ان يغفر لنا ويستجيب دعائنا
استغفر الله العظيم الذى لا اله الا هوا الحى القيوم واتوب اليه
جزاكى الله خيرا وغفر لكى واجاب دعائك ى اميره
 
أعلى