اداب الاستماع للقرآن

اسامه دنانه

.:: الاب الروحى لمنتديات نجوم ::.
بسم الله الرحمن الرحيم

{وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاَْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} الأعراف : 204 ـ 206

قـوله تعالـى : {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }َ لما ذكر الله سبحانه وتعالى عظم شأن القرآن بقوله تعالى : {هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } الأعراف : 203. أتبعه بما يجب من تعظيم شأنه عند قراءته، فقال سبحانه وتعالى : {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }َ عليكم أيها المؤمنون {الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } يعني: أصغوا إليه بأسماعكم، لتفهموا معانيه وتتدبروا مواعظه، وأنصتوا يعني: عند قراءته، والإنصات السكوت للاستماع. فقوله جل ذكره : {فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }َ استمعوا بسمع الإيمان والتصديق، وأنصتوا بصون الخواطر عن معارضات الاعتراض، ومطالبات الاستكشاف. ومن باشر التحقيقَ سرُّه لازم التصديقَ قلبُه. والإنصات في الظاهر من آداب أهل الباب، والإنصات بالسرائر من آداب أهل البساط.
قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }َ يعني : لكي يرحمكم ربكم باتباعكم ما أمركم به من أوامره ونواهيه، وانتفاع الإنسان بالذكر إنما يكمل بهذه الصفة.
قـولـه تعالـى : {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاَْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ }َ أردف ذلك الأمر بأن أمره في هذه الآية بأن يذكر ربه في نفسه، وأن يذكره عارفاً بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضراً لصفات الجلال والعز والعظمة والكبرياء، وذلك لأن الذكر باللسان إذا كان عارياً عن الذكر بالقلب كان عديم الفائدة، ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال : بعت واشتريت، مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ، ولا يفهم منها شيئاً، فإنه لا ينعقد البيع والشراء. فكذا ههنا.
وكمال حال الإنسان لما توقف على انكشاف عزة الربوبية وذلة العبودية، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلّم بأن يذكر ربه في نفسه متضرعاً. لأن المقصود الأول إنما يتم بقوله تعالى : {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاَْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ }َ والمقصود الثاني إنما يتم بقوله تعالى : {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاَْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ }َ لسكونها وانكسار ما قبلها، وهذا الخوف يتناول خوف التقصير في الأعمال وخوف الخاتمة، وخوف السابقة، فإن ما يظهر في الخاتمة ليس إلا ما سبق له الحكم في الفاتحة.
قوله تعالى : {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاَْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ }َ أي : متضرعاً ومتذللاً. والضراعة الخضوع والذل والاستكانة، يقال تضرع إلى الله أي : ابتهل وتذلل، والابتهال الاجتهاد في الدعاء وإخلاصه. قال بعض العارفين بالله : الصلاة أفضل الحركات، والصوم أفضل السكنات، والتضرع في هياكل العبادات يحل ما عقدته الأفلاك الدائرات.
قـولـه تعالـى : {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاَْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ }َ أي : ومتكلماً كلاماً هو دون الجهر، فإنه أقرب إلى حسن التفكر. ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عمر يقرأ رافعاً صوته فسأله، فقال : أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان. قال صلى الله عليه وسلّم : «اخفض من صوتك قليلاً». وأتى أبا بكر رضي الله عنه فوجده يقرأ خافضاً صوته، فسأله، فقال : قد أسمعت من ناجيت . فقال : «ارفع من صوتك قليلاً». وقد جمع النووي بين الأحاديث الواردة في استحباب الجهر بالذكر، والواردة في استحباب الإسرار به بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو تأذى المصلون أو النائمون، والجهر أفضل في غير ذلك، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب الذاكر، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط.
قـولـه تعالـى : {بِالْغُدُوِّ وَالاَْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ }َ خص الغدو والآصال بهذا الذكر، والحكمة فيه أن عند الغدوة انقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية. وأما عند الآصال فالأمر بالضد، لأن الإنسان ينقلب فيه من الحياة إلى الموت، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر، ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير المتناهية، فلهذه الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر.
قوله تعالى : {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ }َ والمعنى : أن قوله تعالى : {بِالْغُدُوِّ وَالاَْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ }َ دل على أنه يجب أن يكون الذكر حاصلاً في كل الأوقات، وقوله تعالى : {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ }َ يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائماً، وأن لا يغفل الإنسان لحظة واحدة عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية والقوة الإنسانية، واعلم أن قوله تعالى : {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاَْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَـفِلِينَ }َ وإن كان ظاهره خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلّم، إلا أنه عام في حق كل المكلفين، ولكل أحد درجة مخصوصة ومرتبة معينة بحسب استعداد جوهر نفسه الناطقة، كما قال في صفة الملائكة : {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } الصافات : 164.
وقد سبق من شارح الكشاف أن الشيخ المرشد قد يأمر المبتدىء برفع الصوت لتنقلع من قلبه الخواطر الراسخة فيه.
وفي الحديث : «ألا أنبئكم بما هو خير لكم، وأفضل من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم؟ ذكر الله» أي : ما هو خير لكم مما ذكر ذكر الله سبحانه، لأن ثواب الغزو والشهادة في سبيل الله حصول الجنة، والذاكر جليس الحق تعالى، كما قال : «أنا جليس من ذكرني» والجليس لا بد أن يكون مشهوداً، فالحق مشهود الذاكر، وشهود الحق أفضل من حصول الجنة، ولذلك كانت الرؤية بعد حصول الجنة وكمال تلك النعمة.
والذكر المطلوب من العبد أن يذكر الله باللسان، ويكون حاضراً بقلبه وروحه وجميع قواه، بحيث يكون بالكلية متوجهاً إلى ربه، فتنتفى الخواطر وتنقطع أحاديث النفس عنه. ثم إذا داوم عليه ينتقل الذكر من لسانه إلى قلبه، ولا يزال يذكر بذلك حتى يتجلى له الحق من وراء أستار غيوبه.
قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ }َ لما رغب الله رسوله صلى الله عليه وسلّم في الذكر وفي المواظبة عليه، ذكر عقيبه ما يقوي دواعيه في ذلك، فقال : {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ }َ والمعنى : أن الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وعصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والغضب، وحوادث الحقد والحسد، لما كانوا مواظبين على العبودية والسجود و الخضوع والخشوع، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الجسمانيات، ومستعداً للذات البشرية والبواعث الإنسانية، أولى بالمواظبة على الطاعة، ولهذا السبب قال سيدنا عيسى عليه السلام : {وَأَوْصَانِى بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوةِ مَا دُمْتُ حَيّاً } مريم : 31. وقال تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم : {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } الحجر : 99. ولما ذكر من طاعاتهم أولاً كونهم يسبحون، وقد عرفت أن التسبيح عبارة عن تنـزيه الله تعالى من كل سوء، أردفه بذكر السجود، وذلك يرجع إلى أعمال الجوارح، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب، ويتفرع عليها أعمال الجوارح. وأيضاً قوله تعالى : {وَلَهُ يَسْجُدُونَ }َ يفيد الحصر، ومعناه : أنهم لا يسجدون لغير الله.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا بأن نتصف بصفات عباده الصالحين، ونتخلق بأخلاق سيد المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم. آمين. والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
أعلى