صفـات كُـمَّـل الـمـؤمـنيــن

اسامه دنانه

.:: الاب الروحى لمنتديات نجوم ::.
بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ءَايَـتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَالصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَـتٌعِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } الأنفال : 2 ـ 4

قوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }َ المراد به قطعاً الكاملون في الإيمان، وإلا لم يصح الحصر.
قوله تعالى : {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } المراد أن المؤمن إنما يكون مؤمناً إذا كان خائفاً من الله، ونظيره قوله تعالى : {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } الزمر : 23. وقال أصحاب الحقائق : الخوف على قسمين : خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال. أما خوف العقاب فهو للعصاة. وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً. وأين من يهم بمعصية فيقال له اتق الله فينـزع عنها خوفاً من عقابه، ممن ينـزع بمجرد ذكره من غير أن يذكر هناك ما يوجب النـزع من صفاته وأفعاله، استعظاماً لشأنه الجليل، وتهيباً منه؟(1) فإن قيل : إنه تعالى قال ههنا : {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} وقال في آية أخرى : {الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } الرعد : 28. فكيف الجمع بينهما؟. وأيضاً قال في آية أخرى : {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } الزمر : 23. قلنا : الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة، ولا منافاة بين هاتين الحالتين، بل نقول : هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة،و هي قوله تعالى : {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } الزمر : 23. والمعنى : تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله.
قـولـه تعالـى : {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }َ ازدادوا بها يقيناً وطمأنينة نفس. وعن أبي هريرة رضي الله عنه : الإيمان بضع وسبعون شعبة : أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إن للإيمان سنناً وفرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة.
قـولـه تعالـى : {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }َ أي : لا يرجـون سـواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. ولهذا قال سعيد بن جبير : التوكل على الله جماع الإيمان.
واعلـم أن المؤمـن إذا كـان واثقـاً بوعـد الله ووعيـده كـان من المتوكلين عليه لا على غيره، وهي درجة عالية ومرتبة شريفة، لأن الإنسان يصير بحيث لا يبقى له اعتماد في شيء من أموره إلا على الله عز وجل. واعلم أن هذه المراتب الثلاث أعني: الوجل عند ذكر الله وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن والتوكل على الله من أعمال القلوب. ولما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الصفات الثلاث أتبعها بصفتين من أعمال الجوارح.
قوله تعالى : {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـهُمْ يُنفِقُونَ } يعني: يقيمون الصلاة المفروضة بحدودها، وأركانها في أوقاتها، وينفقون أموالهم فيما أمرهم الله به من الإنفاق فيه. ويدخل فيه النفقة في الزكاة والحج والجهاد وغير ذلك من الإنفاق في أنواع البر والقربات .
ولا شك أن هذه الأخلاق والأعمال القلبية والقالبية لها تأثيرات في تصفية القلب، وفي تنويره بالمعارف الإلهية ونيله الكرامات الربانية، والمنازل العلية الروحانية، وأن المؤثر كلما كان أقوى وأكمل كانت الآثار أقوى وأكمل، وكلما كان المؤثر أضعف كانت الآثار أضعف وأدنى. ولما كانت هذه الأخلاق والأعمال لها درجات ومراتب مختلفة، كانت الآثار المترتبة عليها من المعارف والكرامات والمنازل الروحانية متفاوتة أيضاً، وذلك هو المراد بقوله تعالى : {لَّهُمْ دَرَجَـتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }َ والثواب الحاصل في الجنة أيضاً مقدر بمقدار هذه الأحوال. فثبت أن مراتب السعادات الروحانية قبل الموت وبعد الموت، ومراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة مختلفة، فلهذا قال تعالى : {لَّهُمْ دَرَجَـتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }َ فإن قيل : أليس أن المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل وحرمانه منها فإنه يتألم قلبه وينغص عيشه، وذلك يخل بكون الثواب رزقاً كريماً ؟ فالجواب: أن استغراق كل أحد في سعاداته الخاصة به يمنعه من حصول الحقد والحسد. وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم.
قـولـه تعالى : {أُوْلـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَـتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }َ أي : المتصفون بهـذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : عن الحارث بن مالك الأنصاري، أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال له : «كيف أصبحت يا حارث؟.» قال : أصبحت مؤمناً حقاً، قال : «انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة،فما حقيقة إيمانك؟». فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال : «يا حارث عرفت فالزم» ثلاثاً.
وعن الحسن أن رجـلاً سـألـه أمؤمـن أنت؟. قال : الإيمـان إيمانان. فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }َ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا؟.
قوله تعالى : {لَّهُمْ دَرَجَـتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }َ أي : منازل ومقامات ودرجات في الجنات .
قوله تعالى : {وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }َ المراد من المغفرة: أن يتجاوز الله عن سيئاتهم. ومن الرزق الكريم: نعيم الجنة. قال المتكلمون : أما كونه رزقاً كريماً، فهو إشارة إلى كون تلك المنافع خالصة دائمة مقرونة بالإكرام والتعظيم، ومجموع ذلك هو حد الثواب. وقال العارفون : المراد من المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة بسبب الاشتغال بغير الله، ومن الرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفة الله ومحبته.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا بأن نتصف بصفات عباده الصالحين، ونتخلق بأخلاق سيد المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم. آمين. والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

Similar threads

أعلى