صفات حوض النبي صلى الله عليه وسلم : الشيخ زيد البحري



( صفات حوض النبي صلى الله عليه وسلم )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :
أما بعد :
فمعتقد أهل السنة والجماعة ، وهذا مما يجب الإيمان به ، أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضا ، هذا الحوض ترده أمته ، ولتعلموا كما جاء عند الترمذي ( أن لكل نبي حوضا ) ويتباهون كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ( يتباهون أيهم أكثر واردا ) قال ( وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردا ) وأحواض هؤلاء الأنبياء ملأى من الشراب ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام ( كل رجل من هؤلاء الأنبياء معه عصاة يذود عن حوضه من ليس من أمته ، قيل كيف يعرف النبي أمته ؟ قال لكل أمة سِمة ) يعني علامة ( يعرفهم بها نبيهم ) أما حوض النبي صلى الله عليه وسلم فله صفات جاء ذكرها في الأحاديث الصحاح ، وهذا الحوض لعله كما أشار القرطبي رحمه الله " أنه أول شيء يلاقيه الناس من هذه الأمة حين يخرجون من قبورهم " لأنهم يخرجون وهم عُطاش ، فكان من المناسب أن يكون هذا الحوض مُقَّدما لهم ، وهذا الحوض العظيم أول من يقدم عليه هو النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذا يقول ( أنا فَرَطكم على الحوض ) يعني متقدمكم على الحوض ، وأول من يَرِد هذا الحوض هم فقراء المهاجرين ، قال عليه الصلاة والسلام ( الشُّعث رؤوسا الدُنس ثيابا ) يعني اشتغلوا بعبادة الله عز وجل من أن يلتفتوا إلى ملابسهم ، أو لقلة ما في أيديهم من المال ، ومع أنهم قليلو المال إلا أنهم أحرص الناس على إتباعه عليه الصلاة والسلام وعلى المسابقة في الخيرات .
لو قال قائل : ما صفات هذا الحوض ؟
وردت له صفات ، من مجموع ما ورد في الأحاديث :
أن سعة هذا الحوض ( كما بين المدينة وصنعاء ) وفي رواية ( كما بين المدينة وعمّان ) في الأردن ، انظروا إلى هذه المسافة العظيمة .
قال ( زواياه سواء ) من حيث المسافة ( آنيته أكثر من نجوم السماء ، ماؤه أشد بياضا من الثلج ) وفي رواية ( أشد بياضا من اللبن ، أحلى من اللبن مع العسل ) اللبن إذا وُضع مع العسل له طعم آخر يختلف لو كان شُرب أحدهما على وجه الانفراد ( ريحه أطيب من ريح المسك ، يشخب فيه ميزابان من الجنة ) يعني هذا الحوض يصب فيه ميزابان من الجنة ، قال عليه الصلاة والسلام ( أحدهما من ذهب والآخر من وَرِق ) يعني من فضة ، ولعل هذين الميزابين من نهر الكوثر ، كما جاءت بعض الروايات التي ذكرت صفات نهر الكوثر بمثل هذه الصفات ، هذا الحوض يقول عليه الصلاة والسلام ( إني لأذود رجالا لا أعرفهم كما يذود الرجل الإبلَ الغريبة عن حوضه ) وقال ( لتزدحمن هذه الأمة على حوضي كما تزدحم الإبل وردن الماء لخمس ) يعني أن الإبل إذا حُبست عن الماء أربعة أيام ثم أوردت الماء في اليوم الخامس كيف يكون حالها ؟ تكون شديدة العطش ، فتزدحم هذه الأمة ، إذاً هذه الصفات العظيمة لهذا الحوض كيف يتأتّى للمسلم أن يصل إلى الشرب منها ، لأنه ثبت ( من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ) لا ظمأ إذا شرب من هذا الحوض ، فكيف يناله العبد ؟
يناله العبد بما جاء في هذه الأحاديث " التمسك بالدين ، ولذا جاء في بعض أحاديث ذكر الحوض ، قال ( وإنه ليذاد عن حوضي رجال من أمتي ، فأقول يا رب أمتي أمتي ، فيقول إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ، فأقول سحقا سحقا ) لو كانوا على ما أنت عليه لما مُنعوا ، ولذلك التمسك بكتاب الله عز وجل وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم كفيلان بإذن الله عز وجل إلى أن يُوردا ، المسلم هذا الحوض ، ومن أعظم ما يتمسك به المسلم الصلاة ، والصلاة كما قال عليه الصلاة والسلام ( لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة وآخرها الصلاة ) ولذا جاء في بعض أحاديث هذا الحوض ( قيل يا رسول الله كيف تعرف أمتك ؟ قال يأتونني يوم القيامة غُرا مُحَجَّلِين من أثر الوضوء ) ( الغرة ) بياض في الجبين و ( التحجِّيل ) بياض في الأيدي والأقدام ، إذاً المحافظة على الوضوء يورث بالإنسان إلى أن يكون محافظا على الصلاة .
لو قال قائل : ما هو أعظم سبب يمنع الإنسان من أن يُخلّ بشيء من دينه ؟
أعظم سبب هو إتباع الدنيا ، ولذا في أحاديث الحوض ماذا قال عليه الصلاة والسلام لما ذكر صفات الحوض ؟ قال ( إني لا أخاف أن تشركوا بالله ، ولكن أخاف عليكم من الدنيا أن تتنافسوا فيها فتُهلككم كما أهلكتهم ) الله عز وجل والنبي عليه الصلاة والسلام لم يقولا ( اتركوا الدنيا – لا – قال تعالى { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ {15} لا إشكال في ذلك ، لكن ماذا ذكر في الحديث ؟ التنافس ، فلان عنده من المال كذا ، أخي عنده من المال كذا ، قريبي عنده من المال كذا ، لابد أن أكون نظيره أو أعظم منه ، هذه هي المشكلة ( التنافس ) أما طلب الدنيا لا إشكال فيه ، لكن التنافس هو المذموم ، ولذلك من تنافس في الدنيا لن يشبع ، لأن المنافسة الطيبة اللذيذة على القلب وعلى النفس المنافسة في الخيرات {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ }المطففين26، فمن يتنافس في هذه الدنيا لن يشبع ، والعبد إذا لم يقتنع ، والقناعة تتفاوت بين الناس ، ولكن بعض الناس ما عنده قناعة أبدا ، أكرمكم الله مثل ( الزبالة ) يتلقى أي شيء ، ولذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله " المال مثل الحمار إن لم تركبه ركبك ، ومثل بيت الخلاء إن لم تقض فيه حاجتك قضى فيك حاجته ) بعض الناس قد يكون عنده أموال وترى ملابسه فيها من الأوساخ والرائحة المنتنة ما الله به عليم ، إذاً المال قضى فيه حاجته ؟ أو هو قضى حاجته في المال ؟ المال قضى فيه حاجته ، بعض الرؤساء الذين سقطوا وأحصيت ثرواتهم بالمليارات سمعت محللا اقتصاديا يقول عن هذه المليارات – انظروا إلى بني آدم إذا لم يقتنع – يقول لو افترضنا أن عُمُر هذا الإنسان الذي يملك المليارات لو افترضنا أن عمره مائة عام ، مائة عام من يصلها ؟ قليل ، لو افترضنا أن عمره مائة عام فأراد أن يفني هذه المليارات التي في الأرصدة – غير العقارات والأشياء الأخرى – لو أراد أن يفنيها يحتاج إلى أن يصرف في كل يوم عشرة ملايين حتى يقضي عليها ، لماذا هذا الركض وراء هذه الدنيا ؟!
الشاهد من هذا أن دين الله عز وجل عظيم ، وأن هناك لذة باقية ، من هذه اللذات الحوض ، كيف نصل إلى هذا الحوض ؟ بالحرص على ديننا ، ونسعى إلى الدنيا ولكن من غير تنافس ، ما رأيت متنافسين في دنيا مرتاحين أبدا ، وأنتم شواهد على ذلك ، نسأل الله عز وجل أن يوردنا حوض نبيه عليه الصلاة والسلام ، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

 
أعلى